كنتُ أمتعِض من تنافُر المبادئ والصبر عليها في البلد. وكان معظَم المناضِلين يُطلِق ساقيْه للريح أمام الشرطة من باب "انهار ماو انهارَك زوزو". وكان فيهم من إذا اشتدّ الوغى أسرَع به قدمه عن خُفّه؛ وصار- مثلنا جميعا- من "امقاطيع النعايل". وكنتُ أرى أنّه لا مستقَبل للنضال مع الارتعاش من الشرطة. وفي يوليو 2017 عدتُ لنواكشوط وأصبتُ بـ"حموضة فكرية" قرّرت إثرَها النزول للشارِع. كان الجنرال عزيز حينَها، وهو رجلٌ متهوّر سياسياً، قد قرّر إلغاء مجلس الشيوخ لولعِه بتقليل المصاريف وشخصنة العداوات. ولكن النظام الدستوري صار أعرَج بغياب مؤسّسة تستعصي على رئيس الجمهورية ويمكن أن تكون أساساً لأهل الحلّ والعقل في تنظيم الفراغ السياسي. قلنا: إلى الشارِع.
وتحدّثتُ إلى جمعٍ من الشبّان المتظاهرين أصبّرُهم على الجلَد على الضرب ومسيّلات الدموع وهمجية الشرطة. وكنتُ لا أرى بأساً في التعرّض للتنكيل في قضية يؤمن بها الإنسان. بل وضرورة أن يقدّم الملتزم نفسَه مثلاً. لم يثِق فيّ المتظاهرون؛ فتقدّمتُ صوب الشرطة مُتحدّياً. وتوجّهت نحوي الشرطة بأنيابِها وهراواتِها ونواياها السادية. ولكنّهم ما إن قربوني حتّى عرفني كبيرُهم. فنهرَهم. وتقدّم ناحيتي مصافحاً بكلتى اليدين. وقال إنّه قارئ يومي لي. بل وصنّف نفسَه "معجباً". وفهمتُ منه ما معناه: "لئن بسطَت إلي يدَك لتقتُلني ما أنا بباسِط يدي إليك لأقتُلك". وتغندّى أمامي. ونهر عنّي حرافيشه. فأحاطَ بي جمعٌ من الشرط محتفِياً.
أصبَح موقِفي محرَجاً. فبدل أن أكون شهيدَ الشرطة صرتُ أبدو كما لو أنّني عميلٌ لهم، خاصّةً أنّهم لم يكفّوا عن ضرب المتظاهرين الآخرين. ولمّا اشتدّ الوغى والكريموجين ركب زعماء المعارضة في سيارة موسى فال و"زازوا" ذلك اليوم. وفي النهاية عدنا بعيونٍ دامِعة وبخفي حنين، وما هو أسوأ من كلّ ذلك٬ صداقة الشرطة.
أنا نواكشوطي عريق. وعليه فأنا عدو للشرطة. وقد جندلوني منذ الجامعة واعتقلوني في ربيع 2009 لأيام في دار النعيم (سيكتُب أحد إسلاموي الظلّ لاحِقاً إنّني لم أنزل الميدان يوماً وسيعجب له بذلك إسلاموي كان لقائي الوحيد معه في مظاهرة في ديسمبر 2008 ضدّ انقلاب عزيز أمام عمارة ولد المامي). المهمّ أنّني أصبحتُ عندما أعود من مطار نواكشوط أجدني في حضن شرطي أو جمركي ودود. وهكذا صرتُ مهدّداً بالصداقة للشرطة.
الحلّ الوحيد الشخصنة: من يحبّنا من الشرطة فله نصف عناق وابتسامة كاملة. "ومن يُشمبِرُ لنا نُشمبِر له. نحن سادة الشمبرة منذ قديم الزمان". والآن بما أنّي صرت صديقاً على الأقلّ لبعض الشرطة فهاهي نصيحتي: أن يكتتبوا محرّراً لصفحتهم؛ أن يتدرّبوا على القانون والأخلاق والشفافية؛ أن يتيحوا معاملاتهم علنياً؛ أن يفكّوا العَقد مع المافيا؛ أن يعتذِروا عن ماضيهم؛ وأن يفتحوا صحفة جديدة (افتراضياً وواقِعياً). وبعد ذلك فيمكننا دوماً أن نجلس على الأتايْ.