تحالف دول الساحل 2024.. تحولات سياسية وأمنية تفاقم الأزمات الإنسانية

بواسطة abbe

قادة المجالس العسكرية في الدول الثلاث

التيار (باماكو) - شهدت منطقة دول الساحل الثلاث خلال عام 2024 تحولات سياسية وأمنية عميقة، مما جعلها محور اهتمام إقليمي ودولي، وتجلت هذه التحولات في استمرار مخلفات أزمة الانقلابات العسكرية، وتصاعد التهديدات الإرهابية، وانسحاب القوى الدولية، مما أدى إلى تفاقم الأزمات الإنسانية في المنطقة.

الانقلابات وتأثيرها على المشهد الإقليمي..

شهدت المنطقة عدة انقلابات عسكرية في السنوات الأربع الأخيرة، مما يجعل من السهل التنبؤ بمزيد من "عدوى الانقلابات" في العام القادم.

النيجر..

عانت النيجر من استمرار تداعيات الانقلاب العسكري الذي وقع في منتصف 2023، ويرى عدد من المراقبين أن المجلس العسكري فشل في تحقيق استقرار سياسي كامل، في ظل تصاعد الضغوط الدولية واحتجاجات واسعة تطالب بعودة الحكم المدني، وقد أدى ذلك إلى عزلة دبلوماسية للبلاد، مع انسحاب فرنسا وتقليص الدعم الغربي.

وكانت النيجر شاهدة خلال عام 2024 على سلسلة من الأحداث السياسية والاقتصادية والأمنية البارزة التي أثرت بشكل كبير على استقرار البلاد ومستقبلها.

حيث تصاعد التوتر مع بنين في مايو 2024، مما أثار مخاوف من اندلاع أزمة سياسية جديدة في المنطقة، كما شهدت علاقات البلد توترا كبيرا في الأيام الأخيرة مع نيجيريا، التي اتهمها المجلس العسكري الحاكم في النيجر بالسعي إلى زعزعة استقرار بلاده، عبر تمويل معارضين ومساعدتهم على تنفيذ هجمات ضد المنشآت الاقتصادية في البلاد، وهو ما نفته نيجيريا بشدة

وفي 2024، طرحت تساؤلات حول قدرة النيجر على الاستفادة من مواردها الطبيعية، مثل اليورانيوم والذهب والنفط، لتعزيز ميزانيتها وتحقيق التنمية الاقتصادية، وذلك بعد إلغاء البلاد، لرخصة شركة فرنسية كانت تستغل منجما لليورانيوم شمال البلاد، مما عكس توجهها نحو إعادة النظر في استغلال ثرواتها الطبيعية، لكن عقبات كبيرة ما زالت تقف أمام تقدم البلاد من أبرزها ضعف الإمكانيات، ونقص الخبرة المحلية، وسط توقع العديد من المراقبين لتوجه البلاد نحو روسيا للاستفادة من تجاربها في المجال.

وفي الجانب الأمني لم يكن العام المنصرم ورديا في البلاد.فقد تصاعدت العمليات الإرهابية، حيث شهدت زيادة في الهجمات الإرهابية، مما يهدد استقرار منطقة الساحل بأكملها.

عرفت البلاد عشرات العمليات الإرهابية أدت إلى مقتل المئات من جنودها، وما زال الطريق البري بين البلاد وبوركينا فاسو مقطوعا بفعل سيطرة الجماعات المسلحة على أجزاء منه.

إعلاميا كان الحدث الأبرز قرار الحكومة النيجرية مقاضاة إذاعة فرنسا الدولية، بتهمة التحريض على الإبادة والعنف في النيجر، مما يشير إلى استمرار توتر قوي في العلاقات الدبلوماسية مع فرنسا.

مالي..

تعرضت مالي لانقلابين عسكريين في سبتمبر 2020 ومايو 2021، مما أدى إلى أزمات سياسية وأمنية متواصلة، وفي عام 2024، ومع انسحاب قوات الأمم المتحدة، تصاعدت هجمات الجماعات الإرهابية، مما زاد من التحديات التي تواجهها الحكومة العسكرية في باماكو.

شهدت مالي خلال عام 2024 سلسلة من التطورات السياسية والاقتصادية والأمنية التي أثرت بشكل كبير على استقرار البلاد ومستقبلها.

منذ 2020، يواصل المجلس العسكري بقيادة الفريق أول عاصمي غويتا إدارة شؤون البلاد، وعلى الرغم من الوعود بالعودة إلى الحكم المدني، لم تجر الانتخابات الموعودة، مما أثار تساؤلات في هرم الحكومة حول نية المجلس العسكري في البقاء في السلطة لفترة أطول، وأدى لإقالة الوزير الأول السابق شوغيل مايغا من منصبه.

وفي الجانب الأمني شهدت مالي زيادة ملحوظة في الهجمات المسلحة، خاصة في المناطق الشمالية والوسطى، من أبرزها هزيمة الجيش المالي وقوات فاغنر في منطقة تنزواتين، على يد قوات الإطار الاستراتيجي للحركات الأزوادية.

وفي أغسطس، أسفرت ضربات جوية في شمال البلاد عن سقوط عدد من القتلى والجرحى، غالبيتهم من الأطفال، مما أثار قلقا دوليا بشأن تدهور الوضع الأمني.

وبعد أشهر من سيطرة الجيش المالي على كافة المدن الرئيسية شمال البلاد، شنت الحركات الأزوادية هجوما على مدينة بوريم في منطقة غاو، معلنة السيطرة عليها، إلا أن الجيش المالي أعلن تصديه للهجوم وإفشاله، مما يعكس التوتر المستمر بين الحكومة والمجموعات المتمردة.

وفي الجانب الاقتصادي استمرت مالي في مواجهة تحديات اقتصادية كبيرة، بما في ذلك ضعف البنية التحتية وتدهور الأوضاع المعيشية للسكان.

وقد زادت الأزمات الأمنية من تعقيد الوضع الاقتصادي، حيث تأثرت الأنشطة التجارية والزراعية بشكل سلبي.

وفي ظل التوترات مع بعض الدول الغربية، اتجهت مالي نحو تعزيز علاقاتها مع دول أخرى، بما في ذلك روسيا، وتركيا، وقد أثار هذا التحول مخاوف بشأن تأثيره على الاستقرار الإقليمي والدولي، كما دخلت الحكومة المالية في أزمات دبلوماسية حادة مع عدد من دول الجوار أبرزها الأزمة مع الجزائر.

ونتيجة لتدهور الأوضاع الأمنية والاقتصادية، شهدت مالي زيادة في عدد النازحين داخليا وتفاقم الأزمات الإنسانية، بما في ذلك نقص الغذاء والمياه والخدمات الأساسية.

بوركينا فاسو..

لم تكن أحوال بوركينا فاسو أحسن من جارتيها فقد شهدت انقلابين في يناير وسبتمبر 2022، ورغم جهود الحكومة العسكرية لتحقيق الاستقرار، إلا أن الهجمات الإرهابية المتكررة أثرت بشدة على الأمن الداخلي وحياة المدنيين، مما جعل البلاد في حالة طوارئ دائمة.

وشهدت بوركينا فاسو خلال العام المنصرم سلسلة من التطورات السياسية والاقتصادية والأمنية التي أثرت بشكل كبير على استقرار البلاد ومستقبلها.

وفي مواجهة التحديات الأمنية المتصاعدة، أقال قائد المجلس العسكري النقيب إبراهيم تراوري رئيس الوزراء أبولينير كيليم دي تامبيلا وحلّ الحكومة، بهدف تشكيل حكومة جديدة تركز على مكافحة الإرهاب وتحقيق الاستقرار.

ومنذ عام 2015، تواجه بوركينا فاسو هجمات إرهابية متزايدة من جماعات مرتبطة بتنظيمي "داعش" و"القاعدة"، حيث سيطرت هذه الجماعات على نحو 40% من مساحة البلاد، مما أدى إلى زعزعة الاستقرار، ورغم المواجهات التي يخوضها الجيش ضد هذه الجماعات وحديث الحكومة عن استعادة السيطرة على أجزاء واسعة من البلاد، فإن بوركينا ما زالت تواجه تدهورا كبيرت للأوضاع الإنسانية، والاقتصادية والأمنية.

فقد شهدت البلاد محاولات لإسقاط النظام من قبل شخصيات سياسية وعسكرية بارزة، بعضها تقول السلطات الانتقالية إنه بدعم من أجهزة استخبارات دولية، مما يعكس تعقيد المشهد الأمني والتدخلات الخارجية.

وفي ظل التوترات السياسية والأمنية، تواجه بوركينا فاسو تحديات اقتصادية كبيرة، بما في ذلك تراجع الاستثمارات الأجنبية وتدهور البنية التحتية، مما أثر سلبًا على النمو الاقتصادي ومستوى المعيشة.

ورغم التحديات، تسعى الحكومة إلى تنفيذ مشاريع تنموية لتحسين البنية التحتية وتعزيز الاقتصاد، إلا أن عدم الاستقرار الأمني يعرقل تحقيق هذه الأهداف.


التعاون الإقليمي والدولي..

وفي مواجهة التحديات الأمنية المشتركة، أعلنت مالي، النيجر، وبوركينا فاسو عن تشكيل تحالف جديد يعرف بـ"تحالف دول الساحل الثلاث"، بهدف تعزيز التعاون الأمني والعسكري.

ورغم أهمية هذا التحالف، إلا أنه يفتقر إلى الدعم الدولي الفعال، ويواجه تحديات لوجستية وتمويلية كبيرة.

وفي ظل تراجع الدعم الغربي، اتجهت الدول الثلاث نحو تعزيز التعاون الأمني والعسكري مع روسيا، بما في ذلك الاستعانة بمجموعة "فاغنر"، مما أثار مخاوف بشأن تأثير ذلك على الاستقرار الإقليمي.

انسحاب القوى الدولية وتأثيره على المنطقة..

أكملت فرنسا انسحابها من النيجر في عام 2024، كما غادرت قوات الأمم المتحدة جمهورية مالي، مما ترك فراغا أمنيا كبيرا في المنطقة.

ووسط تصاعدت مشاعر العداء لفرنسا في التحالف الجديد، اتجهت دوله إلى تعزيز التعاون مع روسيا ومجموعة "فاغنر"، رغم المخاوف من تأثير ذلك على الاستقرار الإقليمي.

وعانت الدول الثلاث من تقلص الدعم الغربي والمساعدات الإنسانية بسبب التوترات السياسية، مما زاد من معاناة السكان، خاصة مع تصاعد أعداد النازحين بسبب العنف والجفاف.

وقد انعكس ذلك على دول الساحل الثلاث التي واجهت أزمات غذائية غير مسبوقة بسبب الجفاف والتغيرات المناخية، مما جعل الملايين بحاجة إلى مساعدات إنسانية عاجلة.

وتسببت الهجمات الإرهابية والصراعات المسلحة في نزوح مئات الآلاف، مما زاد من الضغط على الموارد المحدودة، وفاقم الأوضاع الإنسانية المتدهورة.

يمكن وصف عام 2024 في دول الساحل الثلاث بعام التحولات الكبرى، حيث تداخلت الأزمات السياسية والأمنية مع تحديات إنسانية غير مسبوقة.

وبينما أظهرت هذه الدول إرادة لتعزيز التعاون الإقليمي من خلال تحالفها الجديد، فإن تحقيق الاستقرار في هذه المنطقة يبقى بالنسبة لكثير من المراقبين، رهينا بتضافر الجهود المحلية والإقليمية والدولية.