التيار (باماكو) - يتجه "تحالف دول الساحل"، الذي يضم مالي والنيجر وبوركينا فاسو، نحو توسيع رقعته الجغرافية والسياسية، مع تزايد اهتمام دول في المنطقة، أبرزها توغو، الراغبة بالانضمام إلى هذا الكيان الجديد.
وفي تصريح حديث، أكد وزير الخارجية التوغولي، روبيرت دوسي، أن بلاده ترى "مصلحة" كبيرة في الانضمام إلى التحالف، مشيرا إلى دعم شعبي واسع لهذه الخطوة، التي يرى مراقبون أنها تأتي في سياق إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية في غرب إفريقيا.
التحالف، الذي تأسس كرد فعل على التحديات الأمنية والسياسية المتزايدة في منطقة الساحل، يركز على تعزيز الاستقلال الإقليمي وتقليل الاعتماد على التكتلات التقليدية مثل المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس).
وقد أشار خبراء إلى أن انسحاب مالي المتوقع من "سيدياو"، والمقرر نهاية هذا الشهر، يعكس تحولا استراتيجيًا نحو بناء تكتل جديد يتماشى مع أولويات الدول الأعضاء.
زيارة الوزير الأول المالي، الجنرال عبد الله مايغا، إلى أكرا تحمل أبعادا دبلوماسية مهمة، فوفقا لمحللين، فإن رسالة من الرئيس المالي عاصيمي غويتا إلى الرئيس الغاني جون ماهاما تشير إلى رغبة التحالف في فتح قنوات تواصل مع قادة في المنطقة، بهدف تعزيز شرعية التحالف وحشد الدعم له.
زيارة مايغا تأتي بعد أيام من مشاركته في حفل تنصيب ماهاما، ما يعكس البعد الرمزي للعلاقات بين مالي وغانا، ومحاولة لاستغلال ما يمكن استغلاله في هذه الجانب، حتى ولو كان هنالك اختلاف في المواقف السياسية الراهنة.
وفي العاصمة باماكو، شهد القصر الرئاسي اجتماعا بين الرئيس المالي غويتا ووزراء التنمية في "تحالف دول الساحل". الاجتماع تناول تنفيذ خارطة الطريق التي اعتمدتها قمة نيامي الأخيرة، والتي تتضمن خطوات عملية لتعزيز التعاون الأمني والاقتصادي بين الدول الأعضاء.
يرى مراقبون أن هذا الاجتماع يعكس رغبة التحالف في وضع رؤية واضحة لمستقبله، بعيدا عن التوترات السياسية الإقليمية.
من جهة أخرى، يشير خبراء إلى أن انسحاب النيجر وبوركينا فاسو المرتقب بعد انسحاب مالي المعلن من "إيكواس" سيعزز من ديناميكية التحالف الجديد، لكنه في الوقت نفسه يثير تساؤلات حول تداعيات هذا الانسحاب على التوازن الإقليمي، فقد أثارت هذه التحركات مخاوف بعض المراقبين من تصاعد الانقسامات داخل غرب إفريقيا، خاصة مع استمرار الأزمة السياسية في المنطقة.
الدعم الشعبي الذي تحدث عنه وزير الخارجية التوغولي يعكس تحولات عميقة في المزاج العام لشعوب المنطقة، التي أبدت تأييدا متزايدا للتكتلات البديلة.
محللون يرون أن هذا الدعم الشعبي سيكون عنصرا حاسما في تحديد مستقبل التحالف، خاصة إذا نجح في تحقيق نتائج ملموسة في مجالات الأمن والتنمية.
على الصعيد الاقتصادي، يتوقع خبراء أن يعزز التحالف الجديد من التكامل بين أعضائه، لا سيما في مجالات الزراعة والتجارة الإقليمية، وقد أشار وزراء التنمية في لقائهم الأخير بباماكو إلى أهمية بناء شراكات اقتصادية قوية قادرة على الصمود أمام الأزمات، وهو ما يتطلب سياسات تنموية مبتكرة تتماشى مع احتياجات المنطقة.
أما من الناحية الأمنية، فإن التحالف يواجه تحديات كبيرة تتعلق بمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، التي تعتبر أبرز التهديدات في منطقة الساحل.
ويرى مختصون أن التعاون الأمني الوثيق بين الدول الأعضاء قد يسهم في بناء استراتيجيات مشتركة أكثر فعالية، شرط أن يتم تجاوز الخلافات السياسية التي قد تعيق هذا التعاون.
في هذا السياق، يُنظر إلى اهتمام توغو بالانضمام إلى التحالف كخطوة تعكس إدراكها لتزايد التهديدات الأمنية في المنطقة، فتوغو، التي تعد من بين الدول الأكثر استقرارا في غرب إفريقيا، يمكن أن تلعب دورا مهما في تعزيز قدرات التحالف، خاصة إذا تمكنت من المساهمة بخبراتها في مجالات التنمية والإدارة.
ويرى مراقبون أن رسالة الرئيس التشادي محمد إدريس ديبي عبر مبعوث خاص إلى باماكو في زيارة تحمل طابعا سريا تدخل في إطار اهتمامه بالانضمام لتحالف دول الساحل.
فقد توجه وزير البنية التحتية والإعمار، عزيز محمد صالح، إلى مالي حاملا رسالة شخصية من الرئيس ديبي إلى نظيره المالي الجنرال عاصيمي غويتا.
ورغم التكتم الشديد الذي أحاط بالزيارة، يرى متابعون أنها تأتي في سياق إعادة ترتيب التحالفات الإقليمية بعد تصاعد التوتر بين تشاد وفرنسا، ما يثير تساؤلات حول نوايا نجامينا في تعزيز علاقتها مع تحالف دول الساحل الذي يرأسه غويتا.
ويرى محللون أن هذه الخطوة قد تكون مؤشرا على رغبة تشاد في الانضمام إلى هذا التحالف الذي يضم مالي والنيجر وبوركينا فاسو، خاصة مع تشابه المواقف بين هذه الدول في مواجهة النفوذ الغربي.
وإذا صحت هذه التقديرات، فإن ذلك قد يعيد رسم خارطة التحالفات في منطقة الساحل، حيث تبحث الدول الأعضاء عن شراكات استراتيجية جديدة تقول إن هدفها تعزيز استقلالها السياسي وتضمن أمنها في مواجهة التحديات المتزايدة.
ويرى محللون أن نجاح تحالف دول الساحل في تحقيق أهدافه سيعتمد بشكل كبير على قدرتها على بناء هياكل مؤسسية فعالة، وتحقيق التوازن بين الأولويات الأمنية والتنموية.
ومع اقتراب موعد انسحاب مالي من "إيكواس"، يبقى المستقبل مفتوحا على احتمالات عديدة، ستحددها طبيعة التفاعلات السياسية والاقتصادية داخل التحالف ومحيطه.