جيوسياسية الإرهاب في أفريقيا تنظيم داعش في الصومال

بواسطة abbe

إدريس آيات

أعلنت السلطات الصومالية العثور على جواز سفر سعودي يعود إلى شخص يُدعى محمد ابن أحمد رشيد الحوشاني، وذلك في إحدى قواعد تنظيم دا/عش المتمركزة في سلسلة جبال عل مسقد.

هذا الاكتشاف أعاد تسليط الضوء على ارتباطات محتملة لأفراد من العائلة بأنشطة إرهابية، خاصة أن السلطات السعودية سبق أن اعتقلت في عام 2014 يوسف أحمد الحوشاني، ابن عم حامل الجواز، بتهمة تمويل الإر•هاب في سوريا.

بالنسبة لي؛ هذه الحادثة تثير تساؤلات جديدة حول دور الأفراد في دعم التنظيمات المتطرفة خارج الحدود، وما يستلزمه ذلك من تعزيز الجهود الإقليمية والدولية لمكافحة الإر•هاب وملاحقة العناصر المرتبطة به.

تراودني تساؤلات عديدة: لماذا يترك هؤلاء بلادهم في الشرق الأوسط والخليج والشام، ليأتوا إلى أفريقيا لتأسيس ما يزعمون أنه “خلافتهم الإسلامية”؟

البداية كانت مع شخصيات مثل تركي البنعلي البحريني، الذي يُعتبر أحد المؤسسين الأوائل لفكر التنظيم في الساحل والصحراء. البنعلي، الذي زار ليبيا في 2013، كان يُلقب بألقاب عديدة مثل “أبو همام الأثري” و”أبو سفيان السلمي”، وعمل كقاضٍ شرعي ومنظّر ديني لتنظيم داعش. كان له برنامج إذاعي عبر إذاعة “البيان”، التابعة للتنظيم، والتي روّج من خلالها أفكاراً استقطبت الشباب الليبيين والمغاربة وحتى الفرنسيين للانضمام للتنظيم.

ورغم مقتله في مايو 2017، كان أثره مدمراً، حيث ساهم في تجنيد آلاف الشباب وجرّهم إلى مستنقع الإر.هاب. واليوم، يُعد فرع تنظيم الدولة في الساحل والصحراء من الأكثر تنظيماً في أفريقيا، رغم أنه ليس الأكبر عدداً. وحسب تقارير مؤشر الإرهاب الأخير، فإن غالبية الملتحقين بالتنظيم هم من خريجي الجامعات، ومعظمهم من دول مثل السعودية، تونس، المغرب، سوريا، والعراق. كما يُعتبر هذا الفرع “الأب” لبقية الفروع الأخرى.

الأمر الأكثر إثارة للتساؤل، أن زعيم دا/عش في منطقة الساحل وغرب أفريقيا اليوم موريتاني، ترك بلاده وجاء ليؤسس ما يسميه “الخلافة” هنا. لكن لماذا؟ لماذا لا يبدأ هؤلاء في بلدانهم؟ أليست الجزيرة العربية هي مهد الإسلام؟ أليس من المنطقي أن يبدأوا مما يزعمون أنه أصل الدعوة؟

البعض يبرر وجودهم في أفريقيا بضعف الدفاعات الأمنية، أو بخصوبة البيئة الاجتماعية والسياسية في ظل غياب الدولة. لكن هذه التبريرات ليست كافية. نيجيريا، على سبيل المثال، تفوق عسكرياً دولاً عديدة في شمال أفريقيا وفقاً لمؤشر القوة العالمية (Fire Power Index)، ومع ذلك نجد الجماعات الإرها.بية تنشط فيها بشكل غير مسبوق.

الحقيقة أن النشاط الإرها.بي في أفريقيا، وتحديداً غربها، ليس مجرد صدفة أو نتيجة عوامل داخلية. إنه امتداد لمشروع إمبريالي جديد، حيث تُستغل القارة الأفريقية كساحة لتحقيق أجندات دولية، وإغراقها في صراعات تعيق تقدمها وتبقيها رهينة الفوضى.

ما يثير حيرتي في كل ما سبق هو التناقض الصارخ: أفرادٌ من الدول التي ذكرناها أعلاه، يتصدرون المنابر الإلكترونية والإعلامية ليطرحوا علينا تساؤلات واتهامات حول تعاوننا مع دول مثل تركيا، روسيا، الصين، أو غيرها من الحلفاء الجدد في حربنا ضد الإرها.ب. لكن بدل أن يسألونا عن خياراتنا، لماذا لا يعملون أولاً على استعادة مواطنيهم الذين تركوا بلدانهم ليأتوا إلينا زارعين الفوضى، مهددين أمن واستقرار أوطاننا؟

أنا إدريس آيات، لست رجل دين، لكنني أقولها بوضوح: التعاون مع أي دولة تساهم في القضاء على هذه الشراذم في بلادنا ليس فقط جائزاً، بل ضرورة وطنية وأخلاقية. سنلاحقهم حتى آخر معاقلهم، سنستأصل جذورهم وسنبيد فكرهم المتطرف، فلا مكان لهم بيننا.

وأجد نفسي سعيداً بما أراه من جهود القيادات السياسية الجديدة في الخليج، التي تضيق الخناق على هذه الجماعات وأفكارها المتطرفة. إنّ وأد هذا الشر من منبته يتطلب تعاضد الجميع، ولا بأس عندي بالتعاون مع كل من يساهم في دفن هذا الخطر الذي لطالما أرّقنا.

إدريس آيات- قسم العلوم السياسية- جامعة الكويت