"إن تناول السياسة يجب أن يجد منطلقه من مجتمعات اللادولة التي ظلت لا تعرف الدولة ليس لعجزها وقصورها وتخلفها على الوصول إلى مجتمع الدولة بل لرفضها الدولة أصلا" بيير كلاستر.
1
ذلك أن تناول السياسية قديما عند الأنثربولوجيين الذين انكبوا على دراسة نظم اجتماعية مختلفة تماما عن خلفياتهم الفكرية والمجتمعات التي أسست رؤاهم، شكل أهم الموضوعات التي وجهت معظم دراساتهم، لأن السياق الذي يمكن أن يدرس فيه الباحث المجتمع في ظل نظامٍ دولاتي وضعي يحتكم إليه الجميع، فضلا عن مظاهر التفاعل وحقوله، لا يمكن أن يتماهى أو يتساوى مع سياق قبلي انقسامي- حسب تعبيرات أغلب الدارسين الذين درسوا مجتمعات اللادولة- يرفض السلطة ويحتكم في علاقاته للأعراف أو بتعبير آخر تُعتبر القرابة الأساس الذي يمكن أن تشكل نواة فهمه وتحليله.
ثم إن الفهم الجديد الذي ثبّته جيل كلاستر كان يستثمر في قول مختلف عما ذهبت إليه الدراسات والأبحاث السابقة والتي تأثرت بشكل أو بآخر بخلفيات فلسفة العقد الاجتماعي ومنطلقاتها الحتمية التي رأت أن المجتمعات التي تفتقد للدولة لا تعرف السياسية لتحكم أنظمة القرابة بها، وقد شكل جورج بلاندييه أول المخالفين لذلك التوجه عندما ربط بين القرابة والسياسية في هذه المجتمعات حيث أن القرابة منحت السياسة لغتها وقيمتها في هذه المجتمعات ولم يكن تواجد أحدهما يخالف الآخر وهكذا.
لقد كانت رؤية كلاستر لهذه المجتمعات مبنية على طبيعتها الداخلة في مقابل إيديولوجية التحديث التي قادتها الآلية الغربية في هذه المجتمعات، لذلك أنتج كتابه "محتمعات ضد الدولة" معتبر أنها ترفضها في قيمها وعاداتها فهي مجتمعات مفيأة ضدها، ولسنا بصدد إثبات ذلك من خلال تبيّان الفروق بين كلا النظامين، لكن اختلاف الوضعين والسياقين والعقليتين يُحتمان من حيث المنطلق والمنطق اختلاف الحكم والتسيير والتدبير.
2
لم يخلف المستعمر إبان مغادرته كرها في هذه المجتمعات نظام دولاتي واضح منبثق من طبيعة اجتماعية داخلية، في أغلب الحالات، رغم أن قوض جميع البنايات الاجتماعية الموجودة، وهمش حضورها لصالح تحكمه، فمنطلقات المقاومة التي ظهرت في كل ركن من أركان العالم المُستعمَر لم تكن تسعى في أغلبها إلى تحرير تلك الشعوب وإقامة الدولة القطرية بقدر ما كان محركها الرئيسي رؤية دينية بحتة، تستحضر صراع الحضارتين أكثر من استحضار أي قيم وطنية أخرى إلا في مراحل متأخرة جدا من تاريخها، أي بعد الصراع المحتدم بين المعسكرين الذي ظهر نهاية الحرب العالمية الثانية، لذلك لم تكن السيطرة عسكرية فقط بل كانت متعددة الأوجه بتعدد الأهداف من أضيقها ممثلا في خلق كادر قابل للتعامل، مرورا بتوسع الأسواق إلى التبعية المطلقة التي كانت هدفا مقدسا لتلك الهيمنة.
لذلك لم تكن الدولة بمفهومها وبتغلغلها في القيم والثقافات موجودة ويستحيل أن تلد إلا في حالات نادرة من سياق كهذا، ولمّا فرض الصراع القطبي الاستقلال ودفع نحوه القوى الاستعمارية كان ينوي خلق سُلط مركزية في هذه الدولة والتحايل على تاريخها بجغرافيا محددة لتستمر الهيمنة الناعمة بشكل مختلف وتستحيل تبعا لتلك المتغيرات ولادة الدولة المركزية.
وإذا أخذنا بالنظر رؤية العالم الإنجليزي لمفهوم السلطة، فإن السلطة في اللغة الإنجليزية تحيل إلى مصطلح (power) وقد يحدث خلط من حيث الدلالة مع مصطلح آخر للسلطة ( Authority) حيث أن هاتان الكلمتان تستخدمان في اللغة الإنجليزية بمعنى السلطة لذا ينبغي إيضاح دلالة كل منهما، حيث إن استخدام كلمة (سلطة power) هو للدلالة على السلطة في نطاقها العام والشامل، إذ تعني أيضا (القدرة، والاستطاعة، والقوة) بينما يقتصر استخدامنا لكلمة (سلطة Authority) على ما هو تخصصي (سلطة سياسية أو عسكرية أو اقتصادية..)، ويبقى المفهومين حبيسي سياق ضيق لا يمتد إلى مفهوم الدولة التي لا تشكل السلطة إلا جزءا منها
3.
غير أن تطور الفكر الثقافي وتمازجه أكثر مع الحداثة ومع القيم التي باتت تفرضها العولمة كواقع أثر كثيرا في طبيعة الانسجام والتناغم المسيطر - وإن شكلا - على طبيعة المجتمع بتخصيص الأدوار أو التمايز الداخلي، ذلك أن الأيديولوجيات الغربية الكبيرة التي تأسست على مقتضى أفكارها دول العالم الثالث حسب المفكر الأمريكي "دانيل بيل" قد شاخت وانتهت والمجال الآن مفتوح للأيديولوجيات القادمة من العالم الثالث والتي تسود فيها الهويات الجماعية وخطابها داخل بنية الدولة الوطنية نظرا لعوامل عدة تتمثل في الغبن والتهميش والإقصاء وعجز الدول عن القيام بمهامها.
انطلاقا من ذلك فإن سلطة التأسيس التي حملت على عاتقها إنشاء المجتمع لم تكترث لثقافته وقيمه حتى الاقتصادية التي يمكن أن يؤسس عليها بل ضربت بها عرض الحائط متجهة إلى التصنيع والاعتماد على القطاع الثانوي بدل القطاع الأول الدارج في الثقافة والقيم، وبذلك كانت عتبة التأسيس تصطدم أولا بالقيم وتدفع إلى الاستلاب أكثر من دفعها للتأسيس، وإن كان تصرفها مع الحقل السياسي أكثر عقلانية من أي شيء آخر، عندما أممت سلطة التأسيس الميدان السياسي وأدمجت كل الكيانات السياسية في حزب الدولة لغرض تهميش سلطة المرجعيات الاجتماعية على حسابها، إلا أن التاريخ السياسي الذي توالت أحداثه على الدولة بعد ذلك لم يسعفها بشكل صحيح ولم يدفع لولادة الدولة أيضا، فقد مرت الدولة الإسمية حسب تعبيرات فكو ياما على ثلاث سلط منذ تأسيسها إلى حد الساعة، مرحلة الحكم الشمولي (تأميم الدولة للمجال السياسي)، ثم مرحلة الحكم الاستثنائي والتي بدأت مع انقلاب 1978، وأخيرا مرحلة الحكم المودمقرط
ومن هذه المرحلة الثالثة التي تعرف بديمقراطية لابول دخلت الدولة الموريتانية واقعا جديدا أصبح الاستقطاب فيه القبلي والشرائحي سيد الموقف، على حساب أي شيء آخر، وإن كانت متطلبات بناء الدولة حسب الفقه القانوني المعاصر تتطلب الإيمان بها أولا على حساب أي انتماء آخر، فإن هشاشة السُلط التي تعاقبت على الحكم جعل الفاعلية تزكى انطلاقا من الشعبية والتأثير، وهو ما أحيى النعرات وجعل الساحة السياسة تفتقد لأي رؤية سياسية وطنية إلا في حالات جد نادرة، بل إن الأحزاب الكبيرة التي نافست السلطة منذ 1992 والتي كانت منبثقة من رؤية الحركات الإيديولوجية التي أطّرت الفعل السياسي منذ 1966 إلى تلك اللحظة، ارتبطت فاعلية تأثيرها بمستوى تبنيها أو تأثرها بالطرح القبلي أو الفئوي، أو في الاستثمار فيها بطريقة أو بأخرى، مثل ما فعل الناصريون مع مسعود وكما فعل البعثيون مع حركة إيرا ..!
وكأن القاعدة الأساسية التي تحكم المنطق السياسي هو التغلب والمناصرة ثم المنافرة وتلك قيم تم استنباطها واستحضارها في المشهد السياسي الحالي للدولة منذ تأسيسها ضمن غياب رؤية تنظيمية وسقف ثابت يؤطر الفعل السياسي بموريتانيا، فتجسدت ثنائية التنافر والمناصرة في المجال السياسي بالترحال السياسي والخروج من تنظيم وخلق آخر بديل عنه من أجل تصدر المشهد داخله، إلا وصلت الأحزاب سنة 2018 إلى ما يربو على المائة، وبعد حلّ جلها، وسعيّ الدولة لتنظيم تأسيس المرجعيات الحزبية تتزاحم حاليا على عتبات طلب الترخيص ما يزيد على 60 حزبا رغم أن المرخص حاليا يزيد على 20، في مجتمع لم يبلغ بعد 5 ملايين نسمة.!
4
لقد منحت التهدئة التي أصل لها هذا النظام منذ وصوله للسلطة عاملا مهما كان يمكن استثماره لتصحيح الشوائب التي عاقت وعرقلت التأسيس، غير تحكم النُخب واستفادتهم من الواقع القائم شكل أكبر حجر عثرة أمام أن تحقق التهدئة الطارئة على الحياة السياسية في موريتانيا أي شيء يذكر، ورغم أن الحوارات التي نُظمت في كل حقبة لم تأتي إلا بما يرضي النخب لأن الفعل السياسي يمتزج في البعد الوظيفي قديما وهو ما اعتبر الأنثربولوجيين استحالة فهمه إلا من خلال تحليل بُنية القرابة في النظم اللادولاتية، مع المعاصرة والحزبية، إلا أنه تماما كانت السياسية تجد منطق قوتها من القرابة، وبالتالي المنطق السياسي مختلف تماما عن أي منطق آخر، لذلك وجب أن تكون الأهداف متفاوضة مع الواقع وعاكسة له.
لقد آن الأوان أن تسعى النخب إلى أن تؤسس الدولة بمنطق داخلي يتصالح مع الذات وينتصر لها، وأن تؤطر الحياة السياسية بسقف جامع يحد كل الخلافات وينظمها، فمن غير المقبول أن يرتبط مفعول السياسي فينا بتحقيق واقع "الحظرة" وإن لم يجد ريعه يغاضب ولا يمنعه سقف أن يضر الدولة الهشة أصلا في بنائها، كما أنه من غير المقبول عندما تتعامل السلطة مع أي سياسي ويستفيد من ريعها أن ينسى المشاكل الجوهرية بتحقيق مطالب شخصية.
وتظل فرصة نجاح الحوار المرتقب مرتبطة بمدى قدرة النخب على التخلي عن جزء من مصالحهم للصالح العام، فعندما يكون حوارا لأجل تحقيق أغراض شخصية فإن الخلل سيظل قائما، فالدولة تجمع ولا تخص، ولعل أقرب احتمال للتنبؤ بهشاشته هو ربطه بالميدان السياسي، والتنكر أو تحييد الأبعاد التي تشكل عمق المشكل الحقيقي وتقف حاجزا أمام الدولة التي بات الجميع يحلم بها، لكن لا يعرف كيف