أتيحت لي فرصة توجيه سؤال للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني حول قانون الرموز، ذلك القانون الذي ظل، ولا يزال، من أكثر النصوص القانونية إثارةً للجدل، وأفدحها تعرضًا للنقد من قبل المدافعين عن حرية التعبير.
بعيدًا عن مضمون الأجوبة، وبعيدًا عن المواقف السياسية المتباينة من الرئيس أو من سياسات حكومته، فإن الإنصاف يقتضي، في رأيي، الاعتراف بأن المؤتمر الصحفي كان ناجحًا، بل من أنجح الإطلالات الإعلامية لرئيس موريتاني.
لقد ظهر الرجل هادئاً، واثقًا من نفسه، مرتبًا لأفكاره، بسيطًا في حضوره، متواضعًا في تعامله، قريبًا من الصحفيين، يبادلهم المزاح والابتسامة دون أن يفقد وقاره، ويستمع إلى الأسئلة باهتمام حتى تلك التي حملت قدرًا من الحرج أو النقد المباشر.
وأكثر ما شد انتباهي أنه لم يكن ضعيفًا في حجته، ولا مرتبكًا في مناقشته. صحيح أن بعض الأسئلة بدا أنها فاجأته في لحظتها الأولى، لكنه كان يعيد ترتيب أفكاره بسرعة لافتة، ثم يجيب بإسهاب، مستندًا إلى سياقات تاريخية أو سياسية أو قانونية، بما منح أجوبته تماسكًا وإقناعًا.
أما جوابه عن سؤالي المتعلق بقانون الرموز، فقد كان، بالنسبة لي، من أبرز لحظات المؤتمر. قد يختلف الناس في تقييم مضمونه، لكنني وجدته جوابًا غنيًا بالتوضيح، ومبنيًا على منطق يستحق النقاش، لا على الشعارات أو العبارات الجاهزة.
ومع ذلك، فإن لدي ملاحظة واحدة على أدائه، وهي ميله إلى الإطالة. فأنا من المؤمنين بأن الحجة الموجزة غالبًا ما تكون أكثر إحكامًا، وأن الإسهاب في الخطاب قد يفضي أحيانًا لتسرب نقاط ضعف لم تكن لتظهر لو كان الجواب أكثر اختصارًا. غير أن الإنصاف يقتضي القول إن هذا الطول لم يكن استطرادًا ولا استتباعاً فارغًا، بل كان في الغالب توظيفًا للسياق التاريخي والسياسي والاجتماعي لفهم القضية المطروحة، وهو ما نجح فيه إلى حد بعيد.
وقد لاحظت أن بعض الانتقادات انصبت على طريقة توزيع الأسئلة، وكأن عدم حصول كل صحفي على فرصة للكلام يمثل خللًا في المؤتمر. وهذا، في تقديري، تصور غير دقيق. فالمؤتمر الصحفي، في كل التجارب الديمقراطية، لا يعني أن يطرح جميع الحاضرين أسئلتهم. الجميع يملك الحق في أن يُمنح الكلمة، لكن ليس الجميع سيُمنحها بالفعل. الأمر تحكمه اعتبارات الوقت، ويخضع في جانب منه للحظ. أما ما يطعن في مصداقية المؤتمر، فهو الاتفاق المسبق على الأسئلة أو على أصحابها، لا اقتصار المداخلات على عدد محدود من الصحفيين.
ولعل أكثر ما عزز انطباعي هو أن الرئيس أكد لي ما كنت أعتقده منذ سنوات: أنه رجل يجيد الاتصال، ويتقن فن الإقناع، ويحسن إدارة النقاش. كنت قد استنتجت ذلك من متابعتي لخرجاته الإعلامية السابقة، ومن شهادات كثيرين التقوه، حتى من خصومه السياسيين، عن قدرته على المحاججة والإقناع في اللقاءات المباشرة. وبعد حضوري هذا المؤتمر، ازددت اقتناعًا بأن هذه القدرة حقيقية، وربما كان المأخذ الوحيد أنه لم يستثمرها إعلاميًا بما يكفي خلال السنوات الماضية.
ومن النقاط التي استوقفتني أيضًا إشادة الرئيس بحكومته، وبوزيره الأول على وجه الخصوص. وقد بدت لي هذه لفتة تستحق التقدير؛ لأننا اعتدنا، في تجارب سياسية سابقة، أن يحتكر الرؤساء نسبة كل نجاح لأنفسهم، وأن يغيب الاعتراف بجهود الفريق الحكومي. أما أن يشيد الرئيس علنًا بعمل حكومته، فذلك يعكس، في نظري، إيمانًا بروح الفريق، وابتعادًا عن ثقافة الزعيم الذي يصنع المعجزات.
ولم يخلُ المؤتمر من بعض الملاحظات التنظيمية.
أولها، وهي تبدو بسيطة لكنها ليست كذلك، أن المنظمين لم يضعوا أمام الرئيس قنينة ماء، رغم أنه كان يخوض مؤتمرًا امتد لساعات. وفي المؤتمرات الطويلة، لا يعد ذلك تفصيلًا بروتوكوليًا فحسب، بل جزءًا من أبسط قواعد التنظيم المهني.
وثانيها يتعلق بطريقة توزيع الكلمة. فقد كان مدير الوكالة الموريتانية للأنباء، تقي الله الأدهم، موفقًا في كثير من اختياراته، لكنه لم يكن موفقًا، في تقديري، حين منح فرصة طرح سؤال لصحفية تعمل في المكتب الإعلامي للرئاسة. فمهما كانت مهنية الصحفية، فإن الصورة التي تصل للرأي العام تبدو وكأن الرئاسة تسأل نفسها، وكان من الممكن تفادي هذا الانطباع بسهولة.
ومن المفارقات اللافتة أيضًا أن ثلاثة من الصحفيين المنتمين إلى شريحة الحراطين لم يطرح أي منهم سؤالًا يتعلق بالقضية الشرائحية، رغم أنها من أكثر القضايا حضورًا في النقاش العمومي. وهكذا انتهى المؤتمر دون أن يناقش هذا الملف أصلًا، وهي مفارقة قد يستثمرها البعض سياسيًا، لكنها، في تقديري، أقرب إلى المصادفة منها إلى أي ترتيب مسبق، لأن مضمون السؤال يبقى قرارًا شخصيًا لصاحبه.. و لكن ألن يعتبر بيرام ولد الداه في ذلك هزيمة لخطابه التحريضي؟!
في النهاية، خرجت من المؤتمر بانطباع واضح: لقد نجح الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني في إدارة واحدة من أصعب المناسبات الاتصالية في العمل السياسي. بدا مرتاحًا، حاضر الذهن، سريع البديهة، ذرب اللسان، ثبت الجنان، متماسكًا أمام الأسئلة، وقادرًا على الدفاع عن مواقفه دون انفعال أو ارتباك.
قد يختلف الناس مع سياساته، وقد يختلفون مع أجوبته، وقد يظل الجدل قائمًا حول كثير من الملفات التي تناولها، لكنني أعتقد أن تقييم الأداء الاتصالي يجب أن يبقى منفصلًا عن الموقف السياسي. ومن هذه الزاوية تحديدًا، أرى أن المؤتمر كان ناجحًا، وأن الرئيس قدم فيه أداءً يستحق التقدير، وربما قدم أيضًا درسًا في أهمية التواصل المباشر مع الصحافة والرأي العام، وهي ممارسة لا غنى عنها في أي نظام يسعى إلى ترسيخ ثقافة الحوار والمساءلة.



