زيارة الوزير الأول السنغالي لموريتانيا.. شراكة الغاز ترسم ملامح تعاون إقليمي جديد

بواسطة abbe

الوزير الأول السنغالي عثمان سونغو

التيار (نواكشوط) - من المقرر أن يستقبل الوزير الأول الموريتاني المختار ولد أجاي نظيره السنغالي، عثمان سونكو مساء غد الأحد، في مطار نواكشوط الدولي "أم التونسي"، وذلك في مستهل زيارة رسمية تدوم ثلاثة أيام، يقوم بها سونغو لموريتانيا، هي الأولى له منذ تسلمه لمنصبه، تشمل نواكشوط ونواذيبو. 

تأتي هذه الزيارة بالنسبة لكثير من المراقبين، في توقيت مفصلي يشهد تطورا غير مسبوق في العلاقات بين البلدين، خصوصا بعد بدء استغلال مشروع الغاز المشترك "السلحفاة الكبرى آحميم" (GTA).

هذا المشروع الطموح الذي يجسد بالنسبة لكثير من المراقبين نموذجا متميزا للتعاون الإقليمي، يعكس حجم الإمكانات الاقتصادية التي يمكن أن تحققها الدول الأفريقية من خلال الشراكات العابرة للحدود.

يتوقع أن يسهم هذا المشروع في تحويل البلدين إلى مركز حيوي للطاقة في غرب إفريقيا، وهو ما يجعل من زيارة الوزير الأول السنغالي فرصة لتعزيز العلاقات الثنائية ومناقشة السبل الأمثل للاستفادة من هذه الموارد الهائلة.

تكمن أهمية مشروع GTA في كونه أحد أكبر الاكتشافات الغازية في المياه العميقة بغرب إفريقيا، حيث يتوقع أن ينتج حوالي 2.3 مليون طن من الغاز الطبيعي المسال سنويا، في مرحلته الأولى، هذا المشروع الذي تطوره شركات دولية كبرى مثل "بي بي" و"كوسموس إنرجي" بالشراكة مع الشركة الموريتانية للمحروقات وشركة "بيتروسن" السنغالية، يعكس قدرة البلدين على جذب الاستثمارات الكبرى في قطاع الطاقة.

وقد أكد المسؤولون الموريتانيون والسنغاليون على أهمية المشروع كوسيلة لتعزيز التنمية الاقتصادية وخلق فرص العمل، حيث وفر المشروع حتى الآن أكثر من ثلاثة آلاف وظيفة محلية وأشرك ما يقارب 300 شركة محلية في البلدين.

زيارة عثمان سونكو تمثل فرصة للتأكيد على الأهمية الاستراتيجية للعلاقات الثنائية بين البلدين، خصوصا في ظل التعاون الوثيق في استغلال الموارد الطبيعية المشتركة، كما أنها تتيح فرصة لمناقشة تطوير البنى التحتية الداعمة لصناعات الغاز والطاقة، وهو ما يعزز النمو الاقتصادي ويوفر فرصا مستدامة للسكان المحليين.

وتأتي هذه الزيارة في وقت يعاني فيه الاقتصاد الإقليمي من تحديات متعددة، ما يجعل التعاون بين موريتانيا والسنغال ركيزة أساسية لتعزيز الاستقرار والتنمية.

وتحمل الزيارة بالنسبة للمتابعين أبعادا أوسع تتجاوز الجوانب الاقتصادية لتشمل قضايا الأمن الإقليمي ومكافحة الإرهاب، فمنطقة الساحل تواجه تحديات أمنية خطيرة، والتعاون بين موريتانيا والسنغال يمكن أن يكون نموذجا للتنسيق الأمني في مواجهة هذه التحديات، كما أن استقرار العلاقات الثنائية بين البلدين يشكل دعامة أساسية لتعزيز الاستقرار في المنطقة بأكملها، خاصة أن البلدين يشتركان في حدود طويلة ومصالح اقتصادية متشابكة.

ترى الحكومة السنغالية قي مشروع GTA إنجازا تاريخيا يمهد الطريق لتحويل الاقتصاد السنغالي إلى اقتصاد قائم على الطاقة، وهو ما أشار إليه وزير الطاقة السنغالي، بيرام صولاي ديوب، بوصفه لحظة محورية في تاريخ البلاد.

في المقابل، ترى الحكومة الموريتانية أن المشروع يعكس روح الشراكة والتعاون المثمر بين الجارتين، ويعد خطوة نحو تحقيق طموحات إقليمية أوسع في مجال الطاقة والتنمية.

التحدي الأكبر أمام البلدين يكمن في كيفية إدارة العوائد الاقتصادية الناتجة عن مشروع GTA وضمان توزيعها بشكل عادل يحقق التنمية المستدامة، كما أن تنسيق السياسات بين البلدين فيما يتعلق بتطوير قطاع الطاقة سيشكل عاملا حاسما في تحقيق الأهداف المشتركة.

ويرى مراقبون أن الاستثمار في البنى التحتية وتطوير الكفاءات المحلية يعتبر من الأولويات التي ستكون على طاولة أبرز رجلين في الجهاز التنفيذي في البلدين خلال الفترة الحالية، من أجل وضع خطة شاملة لضمان استمرارية المشاريع الكبرى وجعلها أكثر تأثيرا على المستوى المحلي.

التعاون بين موريتانيا والسنغال في مجال الغاز بالنسبة لعدد من الباحثين يشكل نموذجا يحتذى به لدول المنطقة، خاصة أن أفريقيا تواجه تحديات متزايدة في استغلال مواردها الطبيعية، ونجاح البلدين في تطوير مشروع بهذا الحجم يعكس قدرتهما على تجاوز العقبات اللوجستية والمالية، ويفتح الباب أمام مزيد من المشاريع المشتركة التي يمكن أن تسهم في تعزيز التكامل الاقتصادي الإقليمي.

الزيارة تحمل أيضا أبعادا دبلوماسية مهمة، حيث تمثل فرصة لتنسيق المواقف في المحافل الإقليمية والدولية، بين بلدين تجمعهما عضوية في عدة منظمات إقليمية ودولية، والتعاون بينهما يمكن أن يسهم في تعزيز نفوذ المنطقة على الساحة العالمية، كما أن تعزيز العلاقات بين البلدين يعكس التزامهما بدعم السلام والاستقرار في منطقة غرب أفريقيا.

كما تؤكد هذه الزيارة أهمية الشراكات الإقليمية في مواجهة التحديات الاقتصادية والأمنية، ففي عالم يزداد تعقيدا وتنافسا، يصبح التعاون بين الدول المجاورة ضرورة ملحة لتحقيق التنمية المستدامة.

العلاقات بين موريتانيا والسنغال تسير في اتجاه يعكس إدراك البلدين لأهمية تعزيز الروابط الثنائية كوسيلة لتحقيق أهدافهما الوطنية والإقليمية.

وتمثل التحديات البيئية أيضا جانبا مهما من التعاون بين البلدين، خصوصا في ظل تأثير استغلال الموارد الطبيعية على النظم البيئية، فبرنامج الاستثمار الاجتماعي الذي أطلقته شركة "بي بي" وشركاؤها في البلدين يركز على الصحة المجتمعية، والتنمية الاقتصادية، والتعليم، مما يعكس وعيا بأهمية تحقيق التوازن بين التنمية الاقتصادية وحماية البيئة.

التوقعات تشير إلى أن مشروع GTA سيكون له تأثير إيجابي على المستويات الاقتصادية والاجتماعية في البلدين، لكنه أيضا يتطلب تخطيطا دقيقا وإدارة فعالة لضمان تحقيق الأهداف المرجوة، والشراكة بين موريتانيا والسنغال في هذا المشروع تمثل خطوة مهمة نحو تحقيق التكامل الإقليمي وتعزيز التعاون بين دول غرب أفريقيا.

وبالنسبة لعدد من المراقبين تعكس زيارة الوزير الأول السنغالي إلى موريتانيا أهمية تعزيز التعاون الإقليمي كوسيلة لمواجهة التحديات المشتركة وتحقيق التنمية المستدامة، ونجاح البلدين في تطوير مشروع الغاز المشترك يعتبر إنجازا كبيرا يمكن أن يكون له تأثير طويل الأمد على الاقتصاد الإقليمي، وهو ما يجعل من هذه الزيارة لحظة فارقة في تاريخ العلاقات بين البلدين.