رحلة عبر الزمن الي مدائن التراث

بواسطة abbe

أحمد الناديف

في مساء الثامن عشر من يناير 2023، في حدود الساعة الثامنة مساءً، انطلقنا ضمن فريق من فرق إذاعة موريتانيا للمشاركة في مهرجان مدائن التراث، نسخة تيشيت. كانت الرحلة مليئة بالتحديات والتجارب التي صقلت شخصياتنا، وفتحت أمامنا أبوابا جديدة لفهم تاريخ وثقافة بلادنا.
كان الفريق مكونا من أربعة أشخاص في المقاعد الخلفية: خبيرين وصحفيين، إضافة الى رئيس الفريق والسائق المحنك الذي كان على دراية عميقة بكل شبر في وطننا الحبيب. هذا السائق، الذي راكم خبرات كبيرة على مدار سنوات طويلة، عاصر تطور الإذاعة من محطات إعادة البث الى محطات جهوية ومحلية و حدودية، والتي سعت إلى تقريب الخدمة الإذاعية من المواطن. وكانت هذه المحطات تساهم في التنوير والتحسيس، وتجعل المواطن قادرا على التعبير عن رأيه والمشاركة في عملية التنمية.
انطلقنا من نواكشوط بعد أن تزودنا بالضروريات التي اعتقدنا أنها ستكون مفيدة لنا في رحلتنا نحو تيشيت. وكانت أولى محطاتنا على بُعد كيلومترات قليلة شرق بلدية آجوير التابعة لمقاطعة بتلميت،  توقّفنا في بئر البركة للتزود بـإكسير الحياة الذي لا يمكن الاستغناء عنه في هذه الرحلات الطويلة شاي مع لحم مشوي . بعد تلك الاستراحة، تابعنا مسيرنا ولم نأخذ وقتًا طويلاً للتعرف على بعضنا البعض، لكننا تآلفنا سريعًا بفضل خبير السلامة الطرقية والشيخ الوقور الذي كان يروي لنا حكاياته وشهاداته عن مختلف جوانب حياة البلد.
وصلنا في وقت متأخر إلى مدينة مقطع لحجار، حيث كان علينا أن نبيت هناك في منزل أحد أقارب الخبير. كانت الليلة باردة جدًا، ولكن الله رزقنا ببعض الدفء  الذي منحه إيانا خبير السلامة الطرقية في قلب هذه الأجواء. بعد نوم قليل، وفي الساعات الأولى من صباح اليوم التالي، انطلقنا نحو مدينة تجكجة.
في مكطع لحجار، التحق بنا بعض الزملاء من فرق أخرى. تم الاتفاق على أن تكون وجبة الإفطار بالقرب من مقاطعة انبيكه، أما استراحة الغداء فكانت خارج المدينة في قرية تنململ، على بُعد ثلاثين كيلومترًا من تجكجة. وكان الإيقاع سريعًا، حيث كنا نستعد للاستمرار في رحلتنا الطويلة، نحو مدينة تيشيت المعروفة بتاريخها العريق في مجال العلم والتعليم.
بعد صلاة العصر، بدأنا التوجه نحو تيشيت، لتكون سفينتنا تمخر عباب الرمال في رحلة طويلة عبر صحراء لا متناهية. كل مقطع من الطريق كان ينسينا المقطع السابق، وكنا في كل مرة نشعر أننا ضللنا الطريق، لكن سيارات المشاركين الأخرى كانت تمدنا ببعض الأمل.
بعد رحلة دامت أكثر من أربع وعشرين ساعة، وصلنا إلى تيشيت. كانت المدينة العتيقة تتراءى لنا من بعيد، كأنها طوق نجاة، كما كانت منذ قرون، عندما كانت مركز اشعاع للعلم والمعرفة.
عند وصولنا كان الوقت متأخرا، وكان البرد شديدًا، والمأوى بالكاد يكفي لإيجاد مكان لنستجمع فيه قوانا. ورغم التعب الشديد، وصل بعدنا بقليل المدير العام السابق محمد الشيخ ولد سيد محمد. على الرغم من سنه وإصابته بمرض السكري، لم يمنعه ذلك من تفقد حال الضيوف والعمال في تلك الليلة. 
بدأ في إعداد الطعام بيده لمن لم يجدوا ما يقتاتون به، وكان يقيم الأمور ويتفقد حال الجميع، ولم يتوقف عن العطاء حتى وهو يستعد لتدشين المحطة الإذاعية. 
بدأ التجهيز لوضع اللمسات الأخيرة  لتقديم المحطة الإذاعية في أجمل صورة ممكنة، وهو ما تحقق بفضل جهوده وجهود فرق الدعم والزملاء كل من موقعه.
هذه اللحظات كانت لها خصوصية كبيرة، حيث برهن محمد الشيخ ولد سيد محمد على جديته واهتمامه بأدق التفاصيل. ومع ذلك، ما كان لهذه الحقائق ان تُذكر الا سرا من قبل  خوفًا من التهم المعلبة بالنفاق، خصوصًا من أولئك الذين قد يعارضون الرجل أو توجهاته.
هذه الرحلة كانت أكثر من مجرد انتقال بين المدن، بل كانت رحلة مليئة بالذكريات والأشياء الجميلة.