undefined

ملف الهجرة في موريتانيا بين الضغوط الأوروبية والتوترات الإقليمية.. أزمة تتفاقم في ظل البحث عن حلول

بواسطة abbe

صورة لمهاجرين على الحدود مع مالي

التيار (نواكشوط) - تفاقمت التوترات في الأيام الأخيرة بشأن ملف الهجرة في موريتانيا، بعد موجة من الجدل أثارتها تصريحات لرئيس جزر الكناري حول أعداد المهاجرين في البلاد، والتي أعقبها تصعيد على شبكات التواصل الاجتماعي من نشطاء أفارقة اتهموا السلطات الموريتانية بترحيل مهاجرين غير نظاميين.

يأتي ذلك وسط معطيات محلية حصل عليها التيار، تشير إلى تزايد أعداد اللاجئين والمهاجرين في مدن موريتانية رئيسية، خاصة في الحوض الشرقي، حيث أفاد سكان محليون بارتفاع ملحوظ في تدفق المهاجرين خلال الأشهر الأخيرة، خصوصا من مالي.

وفي ظل هذا التصعيد، تصاعدت المواجهات عند الحدود الشرقية، حيث شهد معبر كوكي بين مالي وموريتانيا اليوم السبت اشتباكات بين وحدات من الدرك الوطني ومجموعة من المهاجرين المرحلين الذين حاولوا العبور بالقوة، بعد حرقهم مقرا للشرطة الموريتانية، مرددين شعارات تعكس رفضهم للإجراءات المتخذة بحقهم.

تزامن ذلك مع تقارير إعلامية تفيد بأن السلطات السنغالية رفضت في الأسبوع الأخير استقبال المرحلين من غير حاملي الجنسية السنغالية، مما زاد من تعقيد الوضع.

ويحذر مراقبون من أن هذه التطورات قد تكون جزءا من تحركات أوسع تهدف إلى زعزعة الاستقرار، خاصة أن ملف الهجرة أضحى أداة سياسية حساسة تتداخل فيها اعتبارات داخلية وخارجية، وفي هذا السياق، تتعالى الأصوات المطالبة بضرورة ضبط الأوضاع قبل أن تتفاقم الأزمة، وسط تساؤلات عن مدى قدرة السلطات على إيجاد حلول عملية ومتوازنة.

على الصعيد الدبلوماسي، كثفت الحكومة الموريتانية تحركاتها، حيث أجرى وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والموريتانيين في الخارج، محمد سالم ولد مرزوك، السبت، سلسلة مكالمات هاتفية مع نظرائه من كوت ديفوار والسنغال وغامبيا ومالي، تناولت سبل تعزيز العلاقات الثنائية والتنسيق في القضايا ذات الاهتمام المشترك.

وشملت المحادثات كلا من وزير الشؤون الخارجية والاندماج الإفريقي والإيفواريين في الخارج في كوت ديفوار، ليون كاكوا هوادجا أدوم، ووزيرة الاندماج الإفريقي والشؤون الخارجية في السنغال، ياسين فال، ووزير الشؤون الخارجية في غامبيا، مامادو تانغارا، إضافة إلى وزير الشؤون الخارجية والتعاون الدولي في مالي، عبد الله ديوب.

ووفق الخارجية الموريتانية، تطرقت المكالمات إلى آليات تطوير التعاون بين موريتانيا وهذه الدول في مختلف المجالات، بما يعزز المصالح المشتركة، إلى جانب مناقشة القضايا المرتبطة بالهجرة غير النظامية وسبل تكثيف التنسيق لمواجهتها، وفق القوانين والاتفاقيات المعمول بها.

وأكد الوزراء خلال المحادثات على أهمية ترسيخ مبدأ حسن الجوار وتعزيز التضامن الإقليمي، بما يضمن معالجة التحديات المشتركة في إطار يحترم الحقوق ويحافظ على الاستقرار.

كما تم الاتفاق على مواصلة التشاور والتعاون لتعزيز التكامل الاقتصادي وتحقيق التنمية المستدامة.

هذا الاتصال جاء بعد، سلسلة لقاءات أجراها ولد مرزوك مع سفراء كل من السنغال ومالي وغامبيا، بحثا عن مقاربات مشتركة للتعامل مع تداعيات الأزمة.

هذه المشاورات تأتي في وقت حساس تحاول فيه موريتانيا التأكيد على التزامها بالقوانين الدولية، مع السعي لحماية استقرارها الداخلي.

في المقابل، أكدت الحكومة الموريتانية، على لسان الناطق باسمها، الحسين ولد مدو، أن سياسة البلاد لم تشهد أي تغيير جوهري تجاه المهاجرين، وأنها منفتحة على الهجرة القانونية، لكنها ملتزمة بمكافحة الهجرة غير النظامية وفقا لاتفاقياتها الدولية.

الوزير شدد على أن الترحيلات الأخيرة ليست استهدافا لفئة بعينها، وإنما تطبيق للقوانين، مشيرا إلى أن موريتانيا سبق أن منحت تسهيلات للمهاجرين لتسوية أوضاعهم، إلا أن أعدادا كبيرة منهم لم تستجب للإجراءات القانونية.

من جهة أخرى، كشف الوزير أن السلطات الأمنية تمكنت مؤخرا من تفكيك عدة شبكات تنشط في تهريب المهاجرين، وهو ما يعكس حجم التحديات التي تواجهها البلاد في هذا الملف.

وأضاف أن موريتانيا لن تكون "دركيا" لأي طرف خارجي، وأن تعاملها مع قضية الهجرة يخضع لمصالحها الوطنية والتزاماتها الدولية.

في مالي، تتابع الحكومة عن كثب تطورات الوضع، حيث أعلن وزير الماليين في الخارج، موسى آغ أطاهر، عن إرسال بعثة رسمية إلى الحدود مع موريتانيا لتقديم الدعم للماليين المرحلين.

الوزير أكد أن حكومته تعمل على معالجة وضع جاليتها بالتنسيق مع الجانب الموريتاني، مع الإعلان عن تسهيلات جديدة لمنح بطاقات إقامة للماليين دون رسوم، في خطوة تهدف إلى تنظيم أوضاعهم بشكل أكثر استقرارا.

وأشار الوزير المالي إلى أن بلاده حريصة على العلاقات مع موريتانيا، لكنها في الوقت ذاته تولي أهمية خاصة لحماية حقوق الماليين في الخارج، في ظل تصاعد الضغوط الداخلية المطالبة بموقف أكثر وضوحا تجاه عمليات الترحيل.

وتظل التساؤلات قائمة حول مستقبل هذا الملف، خاصة في ظل الضغوط التي تواجهها موريتانيا من قبل الاتحاد الأوروبي، الذي لم يف – بحسب تصريحات رئيس جزر الكناري – بوعوده لدعم البلاد في مواجهة تدفقات الهجرة.

هذه التصريحات، رغم أنها كشفت عن تحديات تواجه موريتانيا، إلا أنها في الوقت ذاته أثارت موجة من الانتقادات حول ما إذا كانت البلاد تتحمل وحدها أعباء أزمة تتجاوز قدراتها.

ويرى مراقبون أن الأزمة الراهنة مرشحة لمزيد من التعقيد، خاصة إذا استمرت بعض الأطراف في استغلالها لتأجيج المشاعر أو الدفع نحو تصعيد أكبر.

وفي هذا السياق، يظل الرهان الأكبر على الحلول الدبلوماسية والتعاون الإقليمي، خاصة أن الهجرة غير النظامية باتت ملفا متداخل الأبعاد، يصعب معالجته بقرارات منفردة دون تنسيق شامل بين الدول المعنية.