شهادة لله.. من ذاكرة الأيام

بواسطة ezzein

بقلم سيدنا عزيز

منذ أن دخلتُ المعترك السياسي شابًا يافعًا، قبل نحو عقد من الزمن، وأنا أتابع المشهد السياسي الموريتاني عن قرب؛ عرفتُ خارطته، وخبرتُ فاعليه، واحتككتُ بقادة الرأي فيه، وتابعتُ تكتلاته وتحالفاته، وسافرتُ في البلاد شرقًا وغربًا، وعاصرتُ كثيرًا من رجاله ومراحله وتحولاته.

وهذه شهادة أكتبها من موقعي الوظيفي والانتخابي، في حق نائب عرفتُ تجربته عن قرب، ووقفتُ على جانب من مواقفه وأدائه، فرأيتُ أن من حق الناس أن يعرفوا شيئًا من مزاياه وخصاله، خصوصًا في زمن يكثر فيه الجحود، ويُذكر فيه التقصير أكثر مما تُذكر فيه المواقف التي تستحق التقدير.

أكتبها من موقع من رأى وعايش وتابع، ومن موقع مسؤولية تقتضي الإنصاف في الحكم على الرجال؛ فكما أن من حق الناس أن يعرفوا ما يؤخذ على أصحاب المواقع، فمن حقهم أيضًا أن يعرفوا ما لهم من مواقف وتجارب تستحق الذكر.

ولذلك آثرتُ أن أضع أمام الناس بعض ما عرفتُ وشاهدتُ، لا أن أصدر حكمًا شاملًا، وإنما أن أترك للوقائع أن تتحدث، وللمواقف أن تشهد، وللقارئ أن يقدّر الرجل من خلال ما قدّمه وما تركه من أثر.

ومع كل ذلك، لم أجد، في حدود تجربتي ومعرفتي، رجلًا جمع بين عراقة المكانة، وحكمة التجربة، وحنكة القيادة، ونبل السلوك، كما وجدتُ في نائبنا محمد محمود ولد سيدي ولد حنن.

هو سياسي، نعم، لكنه لا يتعامل مع السياسة بعقلية السياسيين الانتهازيين؛ ونائب، نعم، لكنه لا يرى الناخبين مجرد أصوات تُستدعى في موسم الانتخابات ثم تُنسى بعده.

إنه يتعامل مع أبناء مقاطعته بمنطق الأبوة والمسؤولية؛ يراهم أبناءً له، ويشعر أن نجاحه الحقيقي لا يُقاس بما يحوزه هو، وإنما بما يُتاح لهم من فرص، وما تُصان لهم من حقوق، وما تصل إليهم من خدمات، وما يجدونه من صوت يدافع عن مصالحهم حين تعجز أصواتهم عن الوصول.

ولعل هذه، في نظري، واحدة من أكثر الصفات التي تميّزه: أنه لا يجعل الموقع العام وسيلة لخدمة الذات، بل يعتبره أمانة لخدمة الناس.

وهذه ليست مجرد انطباعات شخصية أو عبارات مجاملة؛ فقد اختُبرت هذه الصفات في أصعب الظروف، وفي أزمات لم تكن سهلة على أي مسؤول أو قائد محلي.

فقد سبق لهذا الرجل أن واجه، بحكمة ومسؤولية، ظروف تدفق اللاجئين إلى المقاطعة في تسعينيات القرن الماضي، ثم واجه، بعد الأزمة الأخيرة، موجات جديدة من اللجوء وتدفق أعداد كبيرة من اللاجئين إلى المنطقة.

وفي كلتا الحالتين، كانت المهمة شديدة الحساسية والدقة: كيف تُحمى حقوق اللاجئين، ويُعاملون بما يليق بالإنسان من كرامة واحترام، وفي الوقت نفسه تُصان حقوق المواطنين، وتُحفظ مصالحهم، ولا يشعر المواطن بأن حقوقه أو موارده أو فرصه مهددة؟

ثم كيف يمكن تجاوز هذه المعادلة الدقيقة إلى ما هو أسمى منها: إدماج الجميع في نسيج اجتماعي واحد، دون أن يشعر اللاجئ بالغربة أو الازدراء، ودون أن يشعر المواطن بأنه مهمّش أو أنه يدفع ثمن أزمة لم يصنعها؟

لقد أدار هذه المعادلة بحس سياسي واجتماعي رفيع، وبهدوء وحكمة، وسعى إلى تحويل ظرف كان يمكن أن يكون مصدر توتر وانقسام إلى فرصة لتجسيد معاني الأخوة والتكافل وحسن الجوار.

وكان الأهم أنه لم يتعامل مع اللاجئين باعتبارهم مجرد أرقام أو ملفًا أمنيًا، ولم يتعامل مع المواطنين باعتبارهم مجرد كتلة انتخابية؛ بل رأى في الطرفين بشرًا لهم حقوق وكرامة ومصالح، وحرص على أن يجد كل طرف مكانه في المعادلة دون أن يكون ذلك على حساب الطرف الآخر.

وفي تقديري، فإن هذا النوع من الإدارة لا يصنعه الحضور السياسي وحده، ولا المكانة الاجتماعية وحدها، وإنما يحتاج إلى تكوين سياسي راسخ، وتجربة طويلة، وهدوء في اتخاذ القرار، وقدرة على قراءة المجتمع وموازين العلاقات وحساسياتها الدقيقة.

ومن هنا أفهم الدور الذي اضطلع به هذا الرجل في الحفاظ على السلم الاجتماعي في المنطقة، وتقوية اللحمة الاجتماعية، وتعزيز روح الانسجام والأخوة بين مكونات المجتمع، في ظروف كان يمكن أن تتسع فيها مساحات التوتر وسوء الفهم لولا الحكمة وحسن التدبير.

كما أن صبره وجلده في مواجهة الأزمات من أكثر ما يلفتني في شخصيته. فهو لا يستسلم لضغط اللحظة، ولا ينجرف وراء ردود الأفعال، ولا يحوّل الأزمات إلى مناسبات لتصفية الحسابات؛ بل يتعامل معها بعقل هادئ، ونَفَس طويل، ودبلوماسية ناعمة، وإصرار على الوصول إلى حلول تحفظ كرامة الجميع ومصالحهم.

ولم يكن هذا الدور اجتماعيًا وسياسيًا فحسب؛ فقد كان له جهد مشهود في مساندة السلطات العمومية، أمنيًا واجتماعيًا، في ضبط المجال الجغرافي وحمايته، وترسيخ الاستقرار، والتعامل مع التحديات التي تفرضها طبيعة المنطقة وموقعها وحساسيتها.

وهنا تتجلى قيمة أخرى في شخصية الرجل: أنه يعرف كيف يجمع بين الحزم والحكمة، وبين الحضور السياسي والهدوء الدبلوماسي، وبين حماية المجتمع والحفاظ على تماسكه.

هذا الرجل، أطال الله في عمره، أميرٌ حكيم، خبر الحكم، وعرف أنظمة ومراحل سياسية متعددة، وعرف النفوذ والحضور، لكنه لم يجعل من مكانته الاجتماعية والسياسية بابًا للتجارة، ولا من موقعه النيابي وسيلة لعقد الصفقات أو مراكمة المصالح الخاصة.

لن تجده منشغلًا بصفقة هنا، أو باحثًا عن منفعة هناك، أو مستغلًا لما يتيحه الموقع العام من امتيازات.

وحتى أسرته، التي كان يمكن لمكانتها أن تفتح لها أبوابًا واسعة من المصالح، اختارت طريقًا آخر؛ طريق الخدمة والعمل والانضباط والاعتماد على الكفاءة.

ستجد أبناء هذه الأسرة في الصفوف الأمامية داخل مؤسستنا العسكرية، يحملون مسؤولية الدفاع عن الوطن والذود عن حماه. وستجد بينهم المهندس والطبيب والمعلم والمحامي والسياسي؛ كلٌّ في موقعه، يؤدي دوره، ويبحث عن نفع الناس وخدمة المجتمع.

والأجمل من ذلك أنهم لا ينظرون إلى نجاحهم باعتباره غايةً في ذاته، بل يسعون إلى أن يمتد أثره إلى غيرهم؛ أن يحصل أبناء المجتمع على فرص التعليم والعمل، وأن يتمكنوا من بناء حياتهم، وأن يصبحوا أصحاب مهن ومشاريع وأعمال، وألا تبقى حاجتهم إلى أحد هي عنوان علاقتهم بالآخرين.

لقد عرفتُ كثيرًا من السياسيين، واختلفت معهم واتفقـت، ورأيت عن قرب كيف تُدار العلاقات، وكيف تُبنى التحالفات، وكيف يتعامل بعض الناس مع النفوذ والمواقع.

لكنني وجدت في هذا الرجل شيئًا مختلفًا: فلسفةً في القيادة أقرب إلى فلسفة الآباء منها إلى حسابات السياسيين؛ يرى أن المكانة مسؤولية، وأن النيابة أمانة، وأن النفوذ الحقيقي ليس في ما يأخذه المرء لنفسه، وإنما في ما يستطيع أن يقدمه للآخرين.

ولذلك أكتب هذه الكلمات لا باعتبارها مجاملةً عابرة، ولا شهادةً تُقال في مناسبة، وإنما باعتبارها خلاصة تجربة رجل عاشر المشهد السياسي الموريتاني عن قرب، وخبر رجاله وتكتلاته وتحولاته، ثم وجد في هذا الرجل نموذجًا يستحق أن يُذكر بخير.

فهناك رجال تصنعهم المناصب، وهناك رجال تمنحهم المناصب قيمةً إضافية؛ أما الكبار حقًا، فتظل قيمةُ المنصب أقل من قيمتهم.