التيار (نواكشوط) - شهدت موريتانيا خلال عام 2024 سلسلة من التطورات السياسية، عكست ديناميكية المشهد السياسي في البلاد، وسعي الأطراف المختلفة لإعادة تشكيل موازين القوى.
من أبرز هذه المحطات بداية العام بتعثر "الميثاق الجمهوري"، الذي أُطلق كبادرة لتحقيق توافق سياسي، إلى جانب الانتخابات الرئاسية التي هيمنت على الساحة، وما تبعها من جدل حول تشكيل الحكومة وتعهداتها، وصولا إلى دعوات للحوار الوطني وتحالفات المعارضة، وقانون الأحزاب.
بداية بجدل سياسي..
في خطوة قال الموقعون عليها إنها تعكس أهمية التوافق السياسي، تم التوقيع في نهاية العام 2023، بين الحكومة وأحزاب معارضة رئيسية، على "الميثاق الجمهوري"، الذي دعا إلى تعزيز الوحدة الوطنية من خلال 18 نقطة رئيسية تضمنت إصلاح المنظومة الانتخابية وحل القضايا الحقوقية العالقة.
ورغم الطابع الإيجابي لهذه الخطوة، إلا أن الجدل تفاقم مع بداية 2024، في ظل حديث قادة المعارضة الموقعين عليه عن تقاعس الحكومة عن تنفيذ بنوده، بينما اعتبره طيف واسع من المعارضة تأثيرا على استقلالية المعارضة، واتهم حزبا التكتل واتحاد قوى التقدم بالارتماء في أحضان النظام.
انتخابات الرئاسة.. مشهد متجدد وجدل مستمر
الانتخابات الرئاسية التي أجريت في يونيو 2024، أعادت الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني إلى السلطة بولاية ثانية، بعد حصوله على 56% من الأصوات، ومع أن النتيجة أكدت استمرار ولد الغزواني في القصر الرمادي، إلا أن الاتهامات بالتزوير والمخالفات أثارت احتجاجات واسعة من المعارضة، مما أعاد التساؤلات حول نزاهة العملية الانتخابية وشفافية المنظومة الديمقراطية، ورغم عجز المعارضين عن تقديم معلومات دقيقة تثبت تزوير الانتخابات، إلا أن المرشح الأبرز في صفوفها بيرام الداه اعبيد الذي حل ثانيا بعد الرئيس، وبفارق مريح عن أقرب منافسيه على الوصافة، أعلن رفضه للنتائج، بينما أعلن أنصاره عبر رسائل "الوات ساب" فوزه بالانتخابات، مطالبين بالنزول للشارع لانتزاع حقه في الرئاسة، وهو ما أدى لمواجهات عنيفة في عدد من مدن البلاد الرئيسية بين أنصاره، وقوات الأمن، خلفت قتلى وجرحى في صفوف عدد من المواطنين، كما أدى إلى قطع الانترنت عن البلاد لعدة أيام، قبل عودة الهدوء إلى الشوارع، وخروج المرشح بيرام بلغة أقل صدامية..
تعيين حكومة جديدة تحت المجهر..
في بداية أغسطس 2024، عين الرئيس الموريتاني المنتخب محمد ولد الغزواني مدير ديوانه المختار ولد أجاي وزيرا أول وكلفه بتشكيل حكومة جديدة.
أثار هذا التعيين جدلا بين مؤيد يرى فيه تحولا جريئا، واخيتيارا موفقا، ينزع إلى الجرأة في محاربة الفساد، والإنجاز، مع وافر التجربة الحكومية الضرورية لمثل هذه المواقع، ومعارض يطالب بتغيير جذري في الوجوه السياسية.
تعكس هذه النقاشات التحديات التي تواجه حكومة ولد أجاي الجديدة في إدارة التوقعات الشعبية وتجاوز حالة الإحباط السائدة.
أمام البرلمان، عرض الوزير الأول المختار ولد أجاي برنامجه الحكومي الطموح، والذي ركز على مكافحة الفساد، وتحسين الخدمات الأساسية، وخفض أسعار المواد الاستهلاكية، مع تحديد آجال للإنجاز.
هذه التعهدات أثارت آمالا كبيرة بين المواطنين، لكنها وضعت الحكومة تحت اختبار حقيقي لتنفيذ وعودها في ظل التحديات الاقتصادية القائمة.
دعوات الحوار الوطني.. فرصة للتوافق أم اختبار للثقة؟
في أكثر من مناسبة خلال 2024، وعد الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني الأطراف السياسية بحوار وطني الشامل، وهو ما يعكس بالنسبة لكثير من المراقبين استجابة لكبح التوترات السياسية، ورغبة في تعزيز الوحدة الوطنية، ومع ذلك، قوبلت الوعود الرئاسية التي كان آخرها في خطاب ذكرى الاستقلال، بتباين في الآراء بين مرحب يشيد بالخطوة، ومشكك يطالب بضمانات لتنفيذ مخرجات الحوار.
تحالفات المعارضة.. البحث عن تأثير أكبر..
ومع الوعد الرئاسي بالحوار خلال الأشهر القادمة شهدت الساحة السياسية تشكيل تحالفات بين أحزاب معارضة بهدف توحيد الجهود لمواجهة الحكومة، أو لإبراز المكانة في صفوف المعارضة، وفق بعض المراقبين.
أبرز هذه التحالفات تحالف "قوى المعارضة المنافحة ضد النظام"، الذي أعلن عنه صباح اليوم النائب البرلماني بيرام الداه اعبيد، والذي ضم غالبية داعميه في الانتخابات الرئاسية، وهي الخطوة التي سبقه لها النائب البرلماني والمرشح للانتخابات الرئاسية أيضا العيد ولد محمدن، الذي أعلن قبل أسابيع عن تحالف، ضم غالبية داعميه في الانتخابات الرئاسية، رغم مقاطعة أبرز أصدقائه النواب للتحالف، وهو ما أثار تساؤلات حول مدى قدرة المعارضة على تقديم بدائل حقيقية في ظل عجزها عن تقديم مرشح موحد، أو تشكيل تحالف معارض موحد وقوي.
المشهد السياسي.. فرص وتحديات
تعكس الأحداث التي شهدتها موريتانيا خلال 2024 توازنا دقيقا بين السعي لتحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي، وبين استمرار حالة الاستقطاب بين الحكومة والمعارضة، والتي برزت بقوة خلال الأيام الأخيرة بعد الكشف عن مشروع قانون الأحزاب الجديد، الذي يسعى وفق الحكومة لضبط فوضى التراخيص، ويضع شروطا جديدة أمام الراغبين في التحزب.
ويظهر الوعد الرئاسي بحوار وطني، كمحاولة لتجاوز المأزق السياسي، لكنه يواجه تحديات عدة من أبرزها مشاركة الجميع وابتعادهم عن الأجندة الحزبية، والأغراض الشخصية.
وعلى الرغم من طي ملفها، مرحليا، تبقى الانتخابات، محط جدل واسع، ما يعكس حاجة ماسة لإصلاحات شاملة تستجيب لتطلعات المواطنين في هذا الجانب، وفق عديد المراقبين.
ومن خلال إعادة انتخاب الرئيس الغزواني، تبدو البلاد في مسار استمراري يعزز استقرار الحكم، ومع ذلك، فإن التحديات المرتبطة بتطلعات الشباب، وتحقيق العدالة الاجتماعية، ستحدد قدرة النظام على الحفاظ على شرعيته الشعبية في المستقبل.
ورغم الجدل حول دعوات الحوار، فإنه بالنسبة لكثير من المراقبين، يمثل فرصة حقيقية لإيجاد أرضية مشتركة تسهم في تجاوز الأزمات المتراكمة، ومع ذلك، فإن نجاح المبادرات الداعية للحوار يعتمد على صدق النوايا السياسية وقدرة الأطراف المختلفة على تقديم تنازلات حقيقية لصالح الوطن.
من الناحية السياسية، يمكن اعتبار عام 2024 عاما محوريا لموريتانيا، حيث تداخلت فيه التحديات السياسية، مع محاولات إيجاد حلول توافقية، ويبقى المستقبل مرهونا بقدرة القيادة السياسية، والمعارضة على استثمار هذه الفرص لتحقيق استقرار مستدام، يقود لتنمية شاملة.