التيار (داكار) - في قلب المشهد السياسي السنغالي، حيث تلتقي المصالح والنفوذ، تبرز عيساتا تال سال من جديد، كإحدى الشخصيات الأكثر تميزا وإثارة للإعجاب.
محامية ذات حنكة، وسياسية متمرسة، نسجت عبر مسيرتها الطويلة صورة امرأة لا تهدأ أمام العقبات، بل تواجهها بعزيمة المرافعة، وقوة الإقناع.
هي الصوت الذي يعلو وسط صخب القاعات البرلمانية، يطالب بالعدل، ويزرع بذور الأمل في أروقة حلفها السياسي المزدحم بالتحديات.
لم تكن مسيرتها مزيجا من الأدوار التقليدية، بل رحلة مستمرة من التحدي والتحول، من وزيرة اتصال أواخر التسعينيات، إلى رئيسة بلدية تعيد الحياة لمدينة بودور لعقد من الزمن، ثم وزيرة للشؤون الخارجية، وأخيرا وزيرة للعدل.
تنقلت عيساتا بين هذه المناصب، تاركة بصمة واضحة، في كل محطة، تعكس رؤيتها العميقة وحرصها على تقديم الأفضل لوطنها.
ومع كل دور كانت تضطلع به، لم تبتعد أبدا عن المرافعة، التي ظلت نبض حياتها السياسية والمهنية.
في قاعة البرلمان، حيث يطغى النفوذ على الحوار، أثبتت عيساتا أنها قادرة على أن تكون صوتا يسمعه الجميع، حتى وسط الأغلبية الجديدة الموالية بشكل شبه آلي للسلطة سونكو، فحديثها لا يقتصر على المضمون، بل يتسم بجاذبية أسلوبها وقدرتها على التسلل إلى القلوب قبل العقول.
لكنها لم تكن مجرد سياسية، بل رمزا لتوازن نادر بين الحنكة والإنسانية، سيدة تعرف أن السياسة ليست مجرد معادلات، بل مسؤولية أخلاقية، هكذا تعاملت مع أدوارها المختلفة، سواء في العمل البلدي أو الوزاري، واضعة نصب عينيها احتياجات المواطنين وصوتهم الذي تحمله إلى كل المنابر، يقول أحد المعجبين، معلقا على مرافعتها الأخيرة أمام البرلمان عن النائب فاربا انغوم خلال جلسة رفع الحصانة عنه.
اختيارها لرئاسة مجموعة "تاكو والو" البرلمانية المعارضة، والمحسوبة على الرئيس السنغالي السابق ماكي صال، لم يكن مجرد صدفة، بل اعترافا بقدرتها على جمع الأطراف المتباينة تحت مظلة الحوار، وإعادة توجيه البوصلة نحو القضايا الجوهرية.
ومع ذلك، لم تكن تلك المهمة سهلة، فقد وجدت نفسها في مواجهة تيار سياسي قوي، لكنها واصلت تقديم مرافعاتها بجرأة وإصرار.
تكمن قوتها في أنها لا تتحدث من أجل الحديث، بل بأسلوب يحمل نفس الرغبة في التغيير، هي ليست مجرد معارضة تصرخ في وجه السلطة، بل صوت إصلاحي يسعى لتقويم المسار وإعادة التوازن إلى المشهد السياسي، وهذا ما جعلها أكثر من مجرد قائدة سياسية، بل أصبحت توصف بأنها رمز للمعارضة البناءة، في مشهد أنهكته المعارضة الصاخبة وتداعياتها الخطيرة..
في مسيرتها، استطاعت أن تكسب احترام خصومها قبل حلفائها، فشجاعتها في مواجهة التحديات كانت دائما مصدر إلهام، ورؤيتها الإصلاحية تضعها في مكانة تجعلها أحد الأصوات الأكثر تأثيرا في السنغال اليوم.
عيساتا تال سال بالنسبة لأنصارها ليست فقط مجرد شاهدة على حقبة سياسية مضطربة، بل هي أحد صنّاعها.
وبينما يتساءل البعض عن المستقبل السياسي للسنغال في ظل الإدارة الشبابية التي تسلمت حكم البلاد، تبقى عيساتا رمزا لروح النضال التي لا تنطفئ، إنها النموذج الذي يثبت أن السياسة ليست لعبة قوة فقط، بل أيضا فن صناعة الأمل في أزمنة التحديات.