في الآونة الأخيرة، أصبح مصطلح "تسريب الأسرار العسكرية" يُستدعى بكثافة كلما استضفنا في بودكاست مبتدأ إحدى الشخصيات العسكرية المتقاعدة، وكأن مجرد الحديث عن التاريخ الوطني أو استحضار التجارب المهنية يدخل تلقائيًا في نطاق المحظور.
ومن المهم هنا التذكير بأن توصيف أي معلومة باعتبارها "سرًا عسكريًا" ليس أمرًا اعتباطيًا أو خاضعًا للأمزجة والانطباعات، بل هو اختصاص مؤسسي تحكمه القوانين والأعراف المهنية للدولة. ويقدم التاريخ العربي المعاصر نماذج عديدة أُثير حولها هذا الجدل، ولعل أبرزها قضية الفريق سعد الدين الشاذلي، التي رأى كثير من الباحثين أنها لم تكن منفصلة عن السياق السياسي والخلافات القائمة آنذاك بينه وبين السلطة الحاكمة، بقدر ما تعلقت بمفهوم السرية ذاته.
أما ضيوف مبتدأ من العسكريين، فهم شخصيات راكمت عقودًا من الخبرة في مواقع حساسة، ويدركون بدقة الفارق بين "السر العسكري" الذي تمس حمايته الأمن القومي، وبين الشهادة التاريخية التي من حق المجتمع أن يطّلع عليها، وأن تستفيد منها الأجيال اللاحقة في قراءة التجارب واستخلاص الدروس.
وهل يُعقل، مثلًا، أن شخصية بحجم عبد الرحمن ولد ببكر لا تدرك حدود ما يمكن قوله وما ينبغي التحفظ عليه؟ أو أن سيدي محمد ولد الفايدة لا يزن كلماته بميزان الخبرة والمسؤولية؟ وهل يظن أحد أن أحمدو ولد أمبارك، أو ولد الشيخ المصطف أو بمب ولد بايه، أو لحبيب أو ولد الدرقلي، قد كشفوا كل ما يعرفونه؟ بطبيعة الحال، ما يُقال في مثل هذه الحوارات يخضع لتقدير واعٍ ومسؤول، وربما لا يمثل إلا جزءًا يسيرًا مما تحتفظ به الذاكرة المهنية لأصحابه.
ومن هذا المنطلق، يتعامل فريق إعداد البرنامج بقدر كبير من الحذر مع كثير من الملفات والقضايا الحساسة، إدراكًا لطبيعتها وتعقيداتها، وحرصًا على ألا يتحول التوثيق إلى مساس بمصالح الدولة أو مؤسساتها.
إن توثيق الذاكرة الوطنية، خصوصًا في جانبيها العسكري والسياسي، ليس ترفًا إعلاميًا، بل ضرورة معرفية تحفظ للأوطان سرديتها، وتمنح الأجيال فرصة فهم تاريخها بعيدًا عن الشائعات والفراغ. ولذلك فإن الاختلاف حول المقاربات الإعلامية أمر طبيعي، لكن المؤسف حقًا أن يتحول بعض النقاش المهني إلى لغة تخوين أو تحريض، خصوصًا عندما يصدر ذلك عن زملاء يفترض أنهم الأقرب إلى دعم المبادرات الجادة في التوثيق وصناعة الوعي.
محمد السالك ولد داهي
مقدم بودكاست مبتدأ
تحياتي.



