من المهم الإشارة منذ البداية إلى أن إدارة الفقر تقتصر على إشباع حاجات الفرد في حدود معينة؛ أي اليوم مثلا؛ بينما تتجاوز إدارة الهشاشة إلى تعزيز قدرات الفرد على العيش اليوم وعلى الصمود غدا.
إن إدارة الفقر لا يمكن أن تكون مهمة اقتصادية ولا رؤية سياسية ولا حتى خطة إستراتيجية؛ لكن يمكن أن تكو أقراصا مهدئة؛ أو بمفهوم أوسع "إسعافات أولية" تحت وطأة ظرف شديد الخصوصية والتعقيد.
ربما من نافلة القول التأكيد على الأهمية الكبيرة التي يكتسيها برامج "عون" الذي أطلقته مؤخرا؛ رئيس الجمهورية؛ السيد: محمد ولد الشيخ الغزواني؛ كاستجابة سريعة ومعبرة عن مفهوم السيادة الوطنية وقدرة أدوات الدولة على قياس نبض المواطن وسد حاجته إلى ما لا يتجاوز إسعافات أولية!
لكن حين تبقى تدخلات الدولة (ممثلة في وكالة التآزر) حبيسة منطق الإسعافات الأولية وبعد مرور أكثر من عقد من الزمن على تجربتنا مع تآزر؛ فإن الامر يكون مثار مزيد من الاستفهام والتساؤل!
بدأت قصة سياستنا الاجتماعية الجديدة سنة 2014؛ حيث عرفت عدت تجارب وإرهاصات؛ لكن كان من الواردة أن تشكل تجربة ما بعد 2019 نقلة نوعية في مفهوم العون والبرامج الاجتماعية للحد من الهشاشة.
لحد الأمس لا زلنا نلاحق الفقر وبأساليب ردود الفعل؛ دون مواجهة الجذور التي ترتهن مواطنينا وتعوق تحقيق أي أثر اقتصادي مستديم على الأرض.
قد يبرر البعض نهج الإسعافات الأولية بسبب حدة الفقر الذي تعانيه مئات الالاف من الأسر في الريف وغيره؛ وهذا أمر وارد؛ لأن نفس الرأي قد يربط الأمر بوجود مشاريع استراتيجية طويلة المدى جارية العمل على صعيد الصحة والتعليم والكهرباء، والماء، والبنية التحية، وغيره.
لكن في نظري المتواضع؛ ليس هذا هو الإشكال ولا حتى مثار السؤال؛ إذ لا يتعلق الأمر بحقيقة وجود المواطن في حالة حرجة تقتضي إسعافا أوليا على أمل أن تؤتي المشاريع التنمية أكلها!
الاشكال في صيغة سؤال؛ من يستفيد من استمرار الهدر المالي واللوجستي في منظومة تآزر التي استوعبت ماليا واختصاصيا عشرات المنظومات التي كانت قائمة؛ حيث كان يفترض أن تلعب دورا مهما وحيويا في الحد من الهشاشة وتعزيز الصمود في الريف وغيره؟
الموارد التي تتوفر عليها التآزر اليوم؛ يمكن أن توائم بين الدعم الاجتماعي والاستثمار في الرأس المالي البشري؛ من خلال إدخال مكونات توعية وتكوين وتمهين وبعث حرف مدرة للدخل؛ قد تشكل بديلا اقتصاديا لصالح ـ على الأقل 10% من منتسبي السجل الاجتماعي الذين تجاوزا عتبة المليوني مستفيد.
أين المشكلة في ذلك؟؛ خاصة أن الموارد المالية متوفرة والإرادة السياسية قائمة والمستفيدون أحوج ما يكونون إلى التمكين الاقتصادي منه إلى اسعافات أولية؛ والأزمات التي خبرناها ونختبرها اليوم تنذر بسيناريوهات من الصعب التنبؤ بها!
لذا يجب إعادة تفكيك منظومة التآزر وإضافة أبعاد تنموية استراتيجية طويلة المدى تمزج بين الدعم الاجتماعي والتمكين الاقتصادي طويل المدى.
الآلية الجديدة للتآزر يجب أن تأخذ في الحسبان وجود مؤشرات متدرجة في مجال تقليص نسبة المعتمدين على العون الاجتماعي مع بداية كل أزمة؛ لا قدر الله.
كما على تآزر الجديدة أن تقلص من مركزيتها في تصور وتنفيذ برامجها عبر الانفتاح على بدائل التنمية المحلية من بلديات وهيئات مجتمع مدني وغيره؛ للسماح لجميع أصحاب المصلحة بالمساهمة الفعالة في صياغة مفهوم وطني أشمل للصمود وإدارة الهشاشة سعي انتقال منظومتنا الاجتماعية الجديدة من منطق الإسعافات الأولية إلى منطق التنمية المحلية المتكاملة والقائمة على القرب وإنتاج بدائل الحلول بأفكار وسواعد المستفيدين أنفسهم.
التآزر
الراجل عمر ابيليل؛ استشاري تنمية شبابية



